بقلم/ د. نرمين طاحون
الشريك المؤسس لمكتب طاحوون للمحاماة

لم يعد الارتفاع المتسارع في الأسعار مجرد أزمة عابرة، بل أصبح واقعًا يوميًا يلتهم دخول المصريين ويقوّض قدرتهم على تلبية أبسط احتياجاتهم. ومع وضوح حجم المعاناة، بات من غير المجدي اللجوء إلى حلول مؤقتة أو مسكنات آنية. فالأزمة عميقة، وجذورها معروفة، والحل لا يمكن أن يأتي إلا بمواجهتها من الأساس.

الحل الحقيقي يبدأ من الدولة نفسها، عبر قرارات صعبة لكنها ضرورية، تعيد تصحيح المسار الاقتصادي وتوقف النزيف المستمر في قيمة العملة ومستوى المعيشة.

أولًا: خفض مصروفات الحكومة

لا يمكن علاج التضخم بينما يتضخم جهاز الدولة. الإنفاق الحكومي المرتفع، غير المرتبط بإنتاج حقيقي، يخلق ضغطًا دائمًا على العملة والأسعار. المطلوب هو تقليص الإنفاق إلى أكثر من النصف، ومراجعة كل بند لا يضيف قيمة إنتاجية أو عائدًا اقتصاديًا مباشرًا.

ثانيًا: إعادة جدولة الديون

الاستمرار في الاقتراض لسداد ديون سابقة لا يحل الأزمة بل يعمّقها. لا بد من إعادة التفاوض مع الجهات الدائنة حول آجال السداد والفوائد، بما يخفف العبء السنوي على الموازنة ويمنح الاقتصاد فرصة للتنفس.

ثالثًا: وقف الاقتراض الخارجي والداخلي

أي اقتراض جديد يعني تضخمًا جديدًا. الأصل أن تعيش الدولة بما تملك لا بما تستدينه. وإذا كان لا بد من الاقتراض الداخلي، فيجب أن يكون في أضيق الحدود وللضرورات القصوى فقط.

رابعًا: نقل المشروعات والشركات إلى القطاع الخاص

الدولة ليست تاجرًا ولا مستثمرًا ناجحًا بطبيعتها. التجربة أثبتت أن الإدارة الحكومية للمشروعات تُثقل الموازنة ولا تحقق الكفاءة المطلوبة. التمويل والتنفيذ والتشغيل يجب أن ينتقلوا إلى القطاع الخاص، بينما تكتفي الدولة بدور التنظيم والرقابة ووضع القواعد العادلة.

خامسًا: تقييد طباعة النقود

طباعة أوراق نقدية بلا إنتاج مقابل هي أقصر طريق للتضخم. هذه قاعدة اقتصادية بديهية، ومع ذلك تم تجاهلها لسنوات. ضبط الكتلة النقدية ضرورة لا خيار.

سادسًا: تحرير الاستثمار الخاص

المستثمر لا يبحث عن دعم، بل عن بيئة واضحة ومستقرة. إلغاء القيود القانونية والإجرائية التي تعطل تأسيس الشركات وضخ الأموال شرط أساسي لإعادة الحركة للسوق.

سابعًا: إلغاء القوانين ذات الطابع الاشتراكي المعادي للاستثمار

الاقتصاد لا يُدار بعقلية الستينات. القوانين التي تُعاقب الربح وتخيف المستثمر وتجرّم النجاح يجب أن تُلغى، لأن الاستثمار لا ينمو في بيئة معادية له.

ثامنًا: دعم حقيقي للمشروعات الصغيرة والمتوسطة

خصوصًا للشباب، لأن هذه المشروعات:
• تخلق فرص عمل حقيقية
• تضخ إنتاجًا فعليًا في السوق
• تحارب التضخم من جذوره بدل الاكتفاء بعلاج أعراضه

تاسعًا: تبسيط وتسريع الإجراءات الجمركية

التعطيل على الموانئ يساوي تكلفة إضافية، والتكلفة الإضافية تعني أسعارًا أعلى. لا بد من وضع حد أقصى زمني واضح لدخول وخروج البضائع دون استثناءات.

عاشرًا: التحول الكامل إلى التكنولوجيا

إلغاء الورق، إلغاء التوقيعات المتكررة، وإلغاء الاحتكاك البشري غير الضروري. التحول الرقمي ليس رفاهية، بل أداة أساسية لمكافحة الفساد وتقليل التكلفة وتسريع الأداء.

الاعتراف… نقطة البداية

البداية الحقيقية لأي إصلاح هي الاعتراف بالمشكلة.
الاعتراف بأن سياسات الإنفاق بلا حدود، والاقتراض المستمر، وتنفيذ مشروعات دون دراسات جدوى حقيقية، هي التي أوصلت الجنيه إلى هذا التدهور، ودخل المواطن إلى هذا التدني.

وإذا أردنا حلًا جادًا، فلا بد من إيقاف هذا المسار بالكامل، والاتجاه إلى طريق آخر… الطريق الذي سلكته كل الدول التي اختارت الإنتاج، والانضباط المالي، والاستثمار الحقيقي، سبيلًا للتقدم وحياة كريمة لشعوبها.

الخلاصة

التضخم ليس قدرًا، بل نتيجة قرارات.
ووقفه لن يتم بالتصريحات أو بتحميل المواطن أعباء إضافية، بل بتغيير جذري في طريقة إدارة الدولة للاقتصاد.

Leave a comment

2026 ©All rights reserved. Tahoun Law Firm