بقلم: نرمين طاحون، الشريك المؤسس لمكتب طاحون للاستشارات

في أكتوبر 2025 أعلن عن وصول المعروض النقدي في الاقتصاد المصري إلى نحو 13.68 تريليون جنيه مصري، بينما بلغ النقد المتداول خارج البنوك قرابة 2.44 تريليون جنيه. أرقام ضخمة لا تبدو للوهلة الأولى سلبية، فالنقود في ذاتها ليست شرًا، لكن الخطر الحقيقي لا يكمن في حجم النقود، بل في غياب ما يقابلها من إنتاج حقيقي.
خلال السنوات الأخيرة، تم ضخ كميات هائلة من السيولة في الاقتصاد لتمويل مشروعات قومية كبرى. هذه المشروعات – رغم ضخامتها – لم تُنتج عائدًا نقديًا أو صناعيًا يغطي تكلفة تمويلها، ولم تُسهم في زيادة الصادرات أو إحلال الواردات. النتيجة كانت طبيعية: زيادة في النقود دون زيادة في السلع والخدمات، أي تضخم حتمي.

التضخم التراكمي: الخطر الصامت

التضخم في مصر ظاهرة تراكمية ممتدة، لا موجة مؤقتة. قد تشير البيانات الرسمية إلى تراجع المعدل من 30% إلى 11%، غير أن ذلك لا ينعكس في عودة الأسعار إلى مستويات سابقة؛ فالزيادات تستمر، وإن بوتيرة أبطأ، المواطن يواجه انتقالًا متواصلًا إلى أسعار أعلى، بينما يظل الدخل عاجزًا عن مجاراة هذا الإيقاع.

ومع اقتراب استحقاق شهادات ادخارية بنحو 1.3 تريليون جنيه في يناير المقبل، تدخل البنوك سباقًا لإعادة امتصاص السيولة عبر رفع أسعار الفائدة. هنا تظهر المفارقة بوضوح: سيولة تحصل على عائد دون أن تتحول إلى نشاط إنتاجي، فلا تضيف قيمة حقيقية للاقتصاد، وإنما تؤجل الضغوط بدلًا من التعامل مع جذورها.

الفائدة المرتفعة ليست حلًا
الفائدة المرتفعة لا تبني اقتصادًا قويًا فحسب، وإنما تشجع في الوقت نفسه على السكون. يحصل المودع على عائد مضمون من دون مشاركة في المخاطرة أو في العملية الإنتاجية، بينما يتحمل الاقتصاد الكلي تكلفة هذا العائد في صورة تضخم أعلى ودين عام متصاعد. وبهذا تتشكل حلقة مغلقة: توسع نقدي، ثم رفع للفائدة لامتصاصه، فارتفاع في كلفة الدين، يعقبه توسع نقدي جديد.

هل الحل في إعدام النقود؟
نظريًا، سحب جزء من الكتلة النقدية وإعدامها قد يخفف التضخم. عمليًا، هذا الحل صعب اجتماعيًا، لأنه قد يؤدي إلى ركود حاد وبطالة واسعه. المشكلة ليست فقط في النقود الموجودة، بل في استمرار إنتاج المشكلة ذاتها.
الحل الجذري: الإنتاج قبل النقود

الحل الحقيقي يبدأ من نقطة واحدة واضحة: أن تركز الدولة على دورها كمشرّع ورقيب وضامن للمنافسة، لا كطرف ينافس القطاع الخاص داخل السوق. فتح المجال الجاد للاستثمار الحقيقي، مع تقليص مزاحمة القطاع العام، هو الطريق الأكثر فاعلية لتحويل السيولة إلى مصانع، وتكنولوجيا، وصادرات، وفرص عمل مستدامة.

كما أن أي توسع نقدي يجب أن يرتبط بزيادة إنتاجية قابلة للقياس، بحيث يوجَّه نحو أنشطة تولد قيمة مضافة حقيقية، لا إلى إنفاق استهلاكي سريع الأثر أو مشروعات ضعيفة العائد. النقود عندما تُضخ دون إنتاج كافٍ، تنتهي غالبًا إلى تضخم، والتضخم الممتد ينعكس في النهاية على مستوى المعيشة ويُضعف القوة الشرائية.

مشكلة الاقتصاد المصري ليست في حجم الأموال المتاحة، بل في توجيهها. فائض السيولة إذا لم يتحول إلى إنتاج حقيقي يصبح عبئًا على المواطن في صورة أسعار أعلى ودخول أضعف. الاقتصاد لا يُدار بالشعارات، بل بقاعدة بسيطة وواضحة:كل جنيه لا يقابله إنتاج، يعود إلينا تضخمًا.

Leave a comment

2026 ©All rights reserved. Tahoun Law Firm